محمد عبد الله دراز

109

دستور الأخلاق في القرآن

مشهد الفزع الّذي ينبغي أن يزعنا عن اغتياب الآخرين ، فشبه المغتاب به من يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ - ثم يضيف : فَكَرِهْتُمُوهُ « 1 » - كلكم أجمعون . وإذا كان الأمر كذلك ، ألّا يمكن أن نستخلص منه أن الإنسان يملك في غيبة أي تعليم إيجابي - جميع الوسائل الضّرورية ، العقلية ، والعاطفية ، لكي يميز ما يفعل مما يدع ؟ ، وعلى ذلك ألّا يكون التّشريع للخير ، وللشر أحد شئوننا نحن ؟ . وينبغي للإجابة عن هذا السّؤال أن نحدد معنى هذه الدّعوى ، وأهميتها . هل نريد أن نقتصر على وجهة النّظر الإنسانية ، ونهتم بخاصة بالضمير الفردي ، أو أننا نريد أن نتناول وجهة الشّيء في ذاته ؟ . فإذا كانت فكرة الخير ، والشّر قد حددت عقلا على أنّها : « صفة كمال ، أو نقصّ ، موافق للطبع ، أو مخالف ، مستحق للمدح ، أو الذّم » - فإنّ المتكلمين المسلمين لم يجدوا صعوبة في أن يقرروا صلاحية الإنسان للتشريع من هذه النّاحية ، ولكن هل كلّ ما نرى أنّه حسن ، أو قبيح ، بحسب عقولنا ، هو في ذاته كذلك بالضرورة ؟ . وبعبارة أخرى : هل هو كذلك في نظر العقل الإلهي ؟ . وهل نحن على ذلك مدينون أمام اللّه سبحانه ، حتّى قبل أن نتلقى أوامره بوساطة رسله ؟ . . لقد دارت مناقشاتهم حول هذه النّقطة المحددة ، وتنوعت إجاباتهم الّتي

--> ( 1 ) الحجرات : 12 .